100003031141317 100041509989142 النبش في أعماق فنان.. قصة قصيرة للأديب أحمد ماضي
U3F1ZWV6ZTM1MDAwNzUxMzM4ODg5X0ZyZWUyMjA4MTUwMDQ4OTY2NA==

النبش في أعماق فنان.. قصة قصيرة للأديب أحمد ماضي

 


النبش في أعماق فنان.. قصة قصيرة للأديب أحمد ماضي


" حاول ألا يختل وقارك، أو تهتز صورتك الرزينة في نظره إنه يحاول أن ينبش أعماقك، فلتتوار في وقارك أو في رزانتك غير المصطنعة جـداً، هو يفخر بفراسته واكتشافه أعماق الناس في جلسات قصيرة، بالتأكيد ستخونه فراسته.. لقد فشل حتى الآن أن يعرف من أنت ومن تكون، كـل مـا يعرفـه عنـك لا يزيد عن معلومات البطاقة العائلية.. كيميائي.. متزوج.. له ولد وبنت.. له بعض الهوايات الفنية أهمهـا رسـم اللوحات الزيتية.. هذه المعلومات بالنسبة لعم حنفي ليست كافية، إنها معلومات سطحية جداً، إنها القشور الخارجية للجسم المرئي، ولكـن مـاذا عـن الأعماق الدفينة؟  ماذا عن الجوهر المغلف بهالات الوقار والاتزان؟ أين الرغي والانطلاق على السجية؟ أيـن السـرد لأحـداث الماضي والحاضر؟ أين الثرثرة التـي توحـي بـكـل شـيء عـن شخصيتك؟

قال لي إنني قليل الكلام حتى لو ظل يثرثر أمـامى طول الوقت،  تذكرت على الفور أننى أُتهمت كثيرا من قبل بالعزوف عن الثرثرة

قال لي متسائلا: هل كل هواياتك هي الرسم فقط؟

عندما أكدت له ذلك بهزة من رأسى كاد يجن وانطلق يهتـف: افهمنی أيها الفنان.. المرأة هواية.. الخمر هواية.. الميسر هوايـة.. النفاق هواية.. الكذب هواية.. حتى الأنانية هواية.. قلت له: أنا غنىٌ عن كل هذه الغوايات أو الهوايات كما تسميها.. ما دمت أتنفس في هوايتي المفضلة وأرتاح بعد كل رسم.

غاظني جدا أنه ضحك بسخرية، وهرش شعره المنكوش، وداعب أسفل عينيه الضيقتين المعروقتين، سألني بصوت هادئ فيـه تحدٍ: وهل حامل لوحات الرسم وأدواتك تلازمك في كل مكان؟ هل تصـاحبك في الأتوبيس مثـلاً؟ استغربت لسـؤاله ووجدتني أتخلص من الإجابة بإطلاق سؤال أعرف مقدما أنه ساذج: "تقصد لكي أرسم الناس في الأتوبيس ؟"

ازدادت ضحكته سخرية؛ فضـاقت حدقة عينيـه، وأفرزت بشرته مزيدا من العرق، وهتف: لن تفهمني.

 

طال بيننا صمت ثقيل أسرعت باستغلاله، فأعدت على نفسي سؤاله وصرت أبحث له عن إجابة، وعندما لاحظـت شـروده وانشغاله عني بالنظر إلى صفحة الشارع وما يمرق فوقها مـن بشر وعربات ظننت أنه استعذب الانشغال عني يأساً مني أو تهدئة لمشاعره المتفجرة، ولكنه بدا في آخر لحظة كمن يتهيأ لسرد شئ ..

" الغضب في القلب شحنة قاتلة لو انفجرت فيـه فسوف تحوله إلى شظايا، لو انفجرت خارجه فسوف تنزاح عن النفس مكامن الخطر ويصبح داخلك كالبحيرة الوسنانة،  وهذا ما حدث لى ذات ليلة بعد عودتي من منزل صديق كنت أظنه مخلصاً،  فشلت في استدراجه إلى مشاجرة ألقنـه فيهـا درساً قاسياً، خرجت من منزله منزلقا بغضبي  وشـيء مـا يفـور في وجداني.. السخط الكراهية.. الانتقام، وفي الأتوبيس داس على حذائـي أحـد الراكبين، أتذكر أنه كان مهندماً ولكنه رث الذوق والكياسة، لم يعتذر حتى بعد احتجاجي، واجهني بنـوع مـن التحـدي، انفجرت في نفسي شحنة من الغضـب أطلقتهـا للخـارج، أمسكت بتلابيبه، هويت على جبهته برأس ثقيلة وعدة لكمات متتالية، تفجر الدم، هـاج الركاب، صرخ الرجـل، حاولوا إمساكي، تحولت إلى وحش مفترس، تخلصت بسهولة من قبضتهم، ألقيت بنفسي إلى الرصيـف بخفة الغزال، سرت في الشارع بنفس أناقتي السابقة، آخـر مـا علـق بخيـالي هـو دخان الأتوبيس المتخلف،  ذكرني بالبصق في وجوه القساة، لفحنى الهواء البارد، أحسست براحة نفسية غريبة، حاولت اجتزار بعض التـألم الزائف على ما فعلت، لم أجـد للتألم حراكا في أعماقي، على الفور تأكد لى أنني فعلت الصح، ليلتهـا نمـت قريرا وأنا أفكر بهدوء في وسيلة أُقوّم بها صديقى الخائن، هل تستطيع أن تعلق على هذه القصة؟ أليست هذه هي الراحة النفسية التي تبغيها بعد الانتهاء من خلق عمل فني؟ ما الفرق بينها وبين راحتي النفسية التي أحسست بها بعد ايذائي لرجل لا أعرفه؟"

جاء دوري في الكلام وأنا غير مهيأ لقـول شـيء هـام أو تعقيب في صميم الحدث، لا شيء من هذا جاهز لدي، من المؤكد أن هناك نقطة التقاء، بدليل أن خطي لا يوازي خطـه إلى ما لانهاية، كلانا يلتقي في نقطة، هـو يؤكد أن الضرب نوع من التعبير الذي يحس بعده بارتياح لأنه نوع من التخلص من شحنة بالداخل، تماماً مثلما ترسم لوحـة أو تنظـم قصيـدة، رغـم تـأملاتي الداخلية والسرد الساري في أعماقي لم ألفظ بكلمة.. ماذا أقول له؟ تُرى هل أستطيع العثور على كلمة واحدة مقتضبة تكون هي تعليقـي الوحيد؟ من المؤكد أنه سيزداد جنوناً وثـورة لو علقت على قصته الطويلة بكلمة واحدة، والتعليق بكلمة واحدة ظلـم فعلاً، فالقصة تتطلب حواراً وإسهاباً وشـرحاً وتطويلاً وأنا لا أميـل إلى ذلك حاليا، أحس أن نفسي جياشة ولساني معقود وعندى رغبة في التفكير والتأمل، وليس لدي نفس الرغبة في الكلام والتحـدث، والرجل الذي أمامي كثيراً ما يرغى؛ مما جعلني أثق أنه لا يفكر إلا أثناء الكلام، مازلت أبحث عن كلمة..  كلمة واحدة؛ لأني أريد أن أنصرف، أريد أن أخلـو إلى نفسي في محراب فني.. غرفتی المُرتّبة الأنيقة التي تحوي مكتبتي ومكتبي وأدوات الرسم.

طال انتظار الرجل لحديثي، تأملته بعمق، رسمت على ملامحي كلها ابتسامة، قلت له: "حادثة غريبة، عن إذنك.

وتركته خلفي فاغر الفاه دهشة وتعجباً

وأثناء سيري ظل عالقا بخيالي شيء واحد، هو آخر شيء رمقني به الرجل.. نظرة استهزاء سافرة، اجترّت هذه النظرة من أعماقي كل استهزاءاته السابقة.. "أنا أتعجـب منـك.. كيف تكون فناناً ولا تلتهم النساء بعينيك وهن يمرقن بجانبك؟ أنت لا تعرف كيـف تملأ عينيك من الجمال المتحرك على قدمين "أنت لا تعبر بانفعال عن أي شيء.. صوتك خفيض.. نظراتـك تائهة.. مصافحتك رقيقة.. ليست فيك خشونة الرجال .. ولا نهـم الشباب..."

بصقت على الأرض، علقت بخيالي فكرة هائمة لتكوين فني.. فم واسع مفتوح يتساقط منـه أشياء كثيرة.. رجـال.. سيدات.. كتل من الأحجار.. خيوط من الماء المتدفق.

 عندما دخلت شقتي لم أجد عندى الإقبال الكافي لتقبيل زوجتي، لم أأبه لصيحات أشرف وهيام.. كانت صيحات مرح واستحسان

لحضوري المبكر، " ليست فيك خشونة الرجال.. ولا نهم الشباب، الوغد

 

تذكرت الغضب وشحنته الماثلة في القلب، تلك الجاثمـة فـوق صدري الآن، هراء سرعان ما سيزول مع لمسات الفرشاة، الخادمة الصغيرة تتجه إلى الثلاجة بزجاجتي مـاء، قبـل أن أحـول بصري عنها أزعجني جدا صوت تهشم إحدى الزجاجتين.. سقطت إحداهما من يدها، تملكها الارتباك والخوف، هويت على وجهها بصفعة، كانت صفعتي أعلى من صوت التهشـم،  قبل أن تنقض زوجتي لتحول بيني وبينها كانت الصفعة الأخـرى قـد هـوت عليها بنفس الكيفية،  تكومت البنت بجوار الحائط، اتجهت إلى مرسمي أنفخ الغضب، زوجتي تلاحقني بالعتاب، كان الذهـول هـو أبرز تعبير بدا على وجهها، طلبت منها أن تدعني أخلـو إلى نفسي، خرجت زوجتی، أغلقتُ الباب على نفسي، أمسكت فرشـاتي حاولت أن أرسم "عم حنفى" بهيئة كبيرة ففشلت، أحضـرت مرآة، وضعتها أمامي، فتحت فمي على آخره، ظللت أنقله في اللوحة مُكبراً بكل تفاصيلـه، لم أدر –إلا بعـد وقـت متأخر– أن زوجتي خلف ظهري ترقب منظري وهي تبكي بنشيج خافت.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة