أكرم عقل يكتب: النهر يغير مجراه.. نحو حساسية جديدة للعامية المصرية
لا شك أن العامية المصرية قد أنهت منذ زمن بعيد معركة إثبات الذات وتقرير الهوية واستوت على عودها فنا شعريا له خصائصه ومميزاته وقد آن للفصحى ألا تقلق من وجود العامية إلى جوارها بل أن تعتبرها إبداعا موازيا له سماته الأسلوبية وخصائصه الجمالية.
وبما أن العامية قد فرغت من معركة الوجود فقد وجب أن ينشغل شعراؤها بتطوير هذا الفن الشعري والرقي به إلى مراحل جديدة، وهو أمر بالغ الصعوبة وسط هذه الكثرة في شعراء العامية وكل هذه المطبوعات التي تنهال من كل صوب وكم القصائد الذي يقرع الآذان من كل مكان ومع هجمة وسائل التواصل الاجتماعي التي تحاول أن تفرض ذوق متابعيها الخاص فتنحاز دائما لقيم الأكثر انتشارا أو الأقرب للجمهور أو الأكثر لعبا على عواطف متابعيها وهم في الأغلب من المراهقين وصغار السن على حساب الأميز والأكثر ابتكارا وجدة، أصبحت كثير من القصائد بالفعل متشابهة مكررة وكأنها وصفة معروفة يتبعها البعض للكتابة وهي مضمونة النجاح لدى الفئة الموجهة إليها، وهي ظاهرة ستمر كما مر غيرها بتاريخ الأدب ممتد الحلقات لتخلي مكانها في التاربخ للتجارب الجادة المثمرة، ولكن على شعراء العامية المتحققين يقع عبء كبير في تحويل مجرى العامية من التعبير إلى الرؤية، بمعنى أن النظرة السطحية للعامية كمعبر عن طبقات المجتمع الأقل ثقافة لا بد أن تتغير لتحل محلها العامية التي تقدم رؤية متكاملة للذات والعالم وتنتج شعرا إنسانيا يتعاطى مع القضايا الكبرى ولا يتقوقع حول ذات الشاعر وإن كان ينبع من هذه الذات.
إن كونية العالم واتساع نطاق المعرفة يفرضان على الشاعر أن يواكب هذه الكونية وليس معنى ذلك أن يتماهى في الثقافات الأخرى أو يفقد أصالته ولكن عليه أن يحل المعادلة الصعبة فيخرج بمحليته إلى العالمية.
لم تعد العامية تملك ترف البقاء في فلك الزجالين الأول رغم اعترافنا الكامل بما قدموه من خدمات جليلة فتحت الباب واسعا لمن جاء بعدهم ولكن حتمية التطور توجب أن تكون تجارب اللاحق أكثر اكتمالا وتطورا ونضجا من تجارب السابق وإلا أصبحنا ندور في دائرة مفرغة من التقليد الذي لا يسمن ولا يغني.
والحق أن العديد من شعراء العامية قد وعوا لهذه الإشكالية وحاولوا أن يبحثوا عن الجدة والفرادة والتميز ونظرا لضيق المساحة المتاحة فسأتناول شاعرا مهما من وجهة نظري في سلسلة العامية المصرية ولا ينفي هذا وجود الكثيرين من الشعراء المجيدين ولكن يستحيل العروج على كل التجارب في ورقة مختصرة ولذلك سأكتفي بنموذج فذ لشاعر استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة.
مصطفى مقلد .. ترنيمة في محراب الجمال
كم هو صعب أن أكتب عن مصطفى مقلد وكم هو صعب أن أحاول الالتزام بالحيادية التي هي أساس في النقد الأدبي.. كيف يمكن فصل الإنسان عن المبدع وكيف يمكن أن يغفل المرء أن كثيرا من قصائد مصطفى مقلد سمعت منه بداياتها مباشرة أو عبر الهاتف وعشت معه معاناة الكتابة وآلام المخاض.. رحلة طويلة على درب الشعر قضيتها مع مصطفى مقلد ورفيق دربه الشاعر الكبير عادل أبو عبا اللذان سمحا لي أن أكون ثالث أضلاع هذا المثلث منذ التقينا في نادي أدب دسوق منذ عشرين عاما أو يزيد، كان مصطفى وعادل يمثلون جيل الوسط أو همزة الوصل بيننا نحن الشباب وقتها وبين جيل الكبار أو الأساتذة كما كنا نسميهم عمنا الكبير ممدوح عبد العاطي والشعراء الكبار طلعت الهابط وفاروق الأفندي وعزمي سلامة والرائد والمعلم إبراهيم غراب.
أذكر أنه منذ وقعت عينا الشاعر الكبير إبراهيم غراب على مصطفى مقلد ذات أمسية في صيفر حتى أحس أنه اكتشف كنزا ثمينا من الشعر الصافي العذب، ولمن لا يعرف الراحل إبراهيم غراب فقد كان من أشد النقاد وطأة في تناوله للشعر لا يعرف المهادنة أو المواربة فإما شعر أو لا شعر، وقد كان لافتا ترحيبه غير المسبوق بمصطفى مقلد ومتابعته الدائمة له؛ لأن مصطفى مقلد كان شعره منذ عرفناه مفارقا ومغايرا يجبر المستمع على الالتفات فالانتباه فالوقوع أسيرا لهذه الجاذبية المدهشة والجمال المتدفق.
بدأ مصفى مقلد بكتابة الأغنية ولكنها لم تكن كبقية الأغاني كانت قصيدة مكثفة ومعبرة ومغايرة تنتظر فقط أن تتحرر من قيود الأغنية التي كان مصطفى يداعبها بمهارة ليطوعها لما يريد، أغنية تخلق عالما موازيا من الجمال والنقاء والبراءة تقدم الحزن الشفيف الذي يمس شغاف القلب.. تجرح ولكنها لا تسيل الدماء.
وحدك وانا وحدي
انسان وانسانه
عايشين ما بين الناس
والغربة ساكنانا
وانا وانتي وهم كبير
احلام بلا تفسير
طير لما حب يطير
حبسوه ف زنزانه
وسنين نقول ونعيد
وننتظر في العيد
نرجع بحزن جديد
احزانا عارفانه
وحدك وانا وحدي
يا وردة خلف السور
في القصر دا المسحور
يفصل ما بينا بحور
في الحزن غرقانه
وحدك وانا وحدي
كان واضحا قدر الاختلاف بينها وبين ما يكتب وقتها من أغان، وكنا لا نزال ننتظر القصيدة التي سيكتبها مصطفى مقلد، وتحقق الوعد الذي كنا جميعا على يقين بحدوثه ليفاجئنا مصطفى مقلد بأولى قصائده وأعتقد أنها كانت بعنوان "الفين سنة" ومن يومها أدركنا أننا أمام مسار جديد ونبض مختلف لقصيدة العامية المصرية، وأن التخوف على مستقبل شعر العامية بعد جيل العظماء فؤاد حداد وصلاح جاهين لم يكن في محله؛ لأن الأرض المصرية الخصبة لا تزال قادرة على أن تمنحنا شعراء بحجم مصطفى مقلد يمكن لهم أن يواصلوا مسيرة هذا التجديد الذي بدأه الكبار لقصيدة العامية ويضيفوا إليها مجار جديدة يتدفق فيها نهر الإبداع الذي لا ينضب.
كانت خصائص شعر مصطفى مقلد واضحة تماما منذ كتاباته الأولى، فهو شاعر لا يشبه إلا نفسه، له صوته المتفرد وقاموسه الخاص، ويمكن في إطلالة سريعة أن نلم ببعض هذه الخصائص فيما يلي:
أولا : الانتماء إلى الجذور
يتميز شعر مصطفى مقلد بالانتماء التام إلى البيئة التي خرج منها والوعي بمفردات هذه البيئة وقاموسها وعاداتها وتقاليدها، ولعل من نافلة القول أنك كلما كنت أقرب إلى بيئتك كلما كنت أصدق وأقرب إلى قلوب الآخرين، ولعل المثال الواضح على ذلك هو ما فعله الأديب الكبير نجيب محفوظ حين استطاع أن يفرض -بصدقه الفني- بيئته اللصيقة في القاهرة القديمة على العالم كله ليقرأها ويتمتع بها.
سترى عند مصطفى تصويرا بارعا للقرية المصرية، ليس نقلا سينمائيا ولكنه وصول لروح هذه القرية الكامن خلف التفاصيل الظاهرة للعيان والتقاط لمفردات شديدة الخصوصية وواسعة الدلالة، سنجد النخيل وقناة الماء والعصافير والهيش والحدأة والقيعة والشوال حتى كلمات شديدة الخصوصية ككلمة " مدارجة " أو "زنبيل " وليس الأمر مجرد حشد للمفردات ولكنه تمثل لحال القرية المصرية في صمتها الرتيب الذي يحمل داخله أحزانا بلا حصر.
الليل شتا
والناس نيام
والصمت واقف فوق طوابير الكلام
والخوف حجر محطوط على سدر القصايد
سايد على وش النجوم وجوم
غير الغيوم
واليوم بيشبه غيره م الايام
حين يتآمر الكون كله بالصمت المذعن الموافق لا يبقى مستيقظا إلا الشاعر الفاعل الوحيد وسط هذا السكون القاتل الذي يجثم على أنفاس الجميع.
ثانيا : الغربة النفسية
واذا كان كل مبدع غريبا بين أهله بالفعل فإن مقدار الاحساس بهذه الغربة يتفاوت بين مبدع وآخر تبعا لحساسية نفسه المرهفة أو مقدار الهوة التي تفصل بين ما يعيش فيه من رؤى وأحلام وبين ما يقدمه له واقع قاس لا يرحم؛ لذا نراه يؤثر كثيرا الانسحاب من المشهد ليكتفي بمراقبة أحلامه الضائعة فلم تعطه المحاولات ألا أحزانا تتجدد كلما حاول الإمساك بحلمه النافر الذي لم يورثه السعي وراءه إلا الأسى والأنين
وانت اللي واقف في انهزامك من زمان
تستنى احلامك ف روحك
وتمني روحك بالمحال
وكل ما تدبل جروحك
بتشد للاحزان رحال
ولكن القلب لا يكف عن الحب هذا القلب الذي أتعبه الأمل وأرهقته المسافات:
قلبي الخارج من أنحاء الوقت الضايع
شايل لسه ف سدري ودايع
ست الحسن الواقفة ف شط النيل الحي
بيني وبينها النيل والليل العادي
بيني وبين النيل الوادي
بيني وبين الوادي التل
الغربة التي تجعل الشاعر يحس بالانفصال عن هذا الواقع الذي لا يحبه فما جدوي الأغاني وهل يستطيع تغريد العصافير أن يجمل وجه الغابة التي تموج بالضواري؟ خاصة إذا كانت الحبيبة نفسها خائنة للشاعر وأنها دائما تفتح ذراعيها للغير:
عارف ان عنيها ف بث مباشر
ويا جميع حراس القصر
وانها لسه ف عز النكسة
بتقرا تملي ف سورة النصر
وتهزم فيك
وان السور العالي عليك
متوطي لغيرك
وان ضميرك
خلى الحزن اتمكن منك
ساب الخوف يتحكم فيك
مش مسموعة الغنوة بتاعتك
في الناحية دي
الغنوا دي لاهل الدنيا
ولكنه رغم هذه الانكسارات المتوالية يتمسك بالأمل الذي يعطي معنى لاستمرار الحياة حتى لو كان مستحيلا أو بعيد الاحتمال
احتمال
القى في عيونك اجابة ع السؤال
يرجع الفجر المهاجر في المنافي
ترجع الايام تصافي
واحكي حدوتة رجوعها للعيال
ثالثا : اللغة والإيقاع
تتدفق اللغة في شعر مصطفى مقلد ثرية طيعة مموسقة تتأتى له دون تعب ولا مشقة كما لو كان يهيب بالألفاظ فتأتيه طائعة، والحقيقة أن وراء هذه الانسيابية الظاهرة واللغة المصفاة المقطرة التي تمتلئ عذوبة وتفيض رقة وراءها بالإضافة إلى الموهبة الكبيرة عمل جاد مخلص دؤوب على القصيدة بعد كتابتها لتهذيبها وتقويمها، ومصطفى ناقد مدقق لأعماله لا يخرج القصيدة للناس إلا إذا كانت كل لفظة في مكانها الصحيح بحيث لا تنبو عنها الأذن عند سماعها بل تجد الكلام كما كانوا يقولون قديما آخذ برقاب بعضه تسلمك كل كلمة إلى أختها وتحاول عبثا أن تستبدل كلمة بأخرى فلا ترى أوفق مما اختاره الشاعر وهذا نموذج صغير للبناء اللغوي عند مصطفى
طب تعرفي
إن العبير اللي انتي عملاه للحياه
لساه على أول قصيده كتبتها
بيشدني من روحي لما المنتهى
وانتي بدايته ومنتهاه
وانك طلوع الزهر فوق شجر النشيد
وانتي النسيم الجي من كل اتجاه
وانك وحيدة روحي بنت محبتي
وانتي القصيده البكر ف النبع البعيد
وانا روحي عطشانه الحياه
يا حلم كان صاحبي الوحيد
لكنه دام صاحب وفي
سنجد في السطر الأول هذا الغرام بالموسيقى من خلال التقفية الداخلية في السطر الشعري "عاملاه" "للحياه" "لساه" ثم يترك الشاعر هذه القافية لينوع القافية بين "كتبتها" و "المنتهى" ليعود بعدها للقافية الأولى في "منتهاه" و "اتجاه "و "الحياه" مع قافية داخلية أخرى في "النشيد" و "البعيد" و "الوحيد" ليعود في نهاية المقطع "وفي" ليرد على القافية المتكررة في القصيدة "تعرفي"
نظام معقد من القوافي المتداخلة المتتابعة يمنح شعر مصطفى خصيصته الموسيقية المبدعة التي تجعله يدلف من الأذن إلى العقل والقلب بلا استئذان.
كُتِبَ شعرُ مصطفى للإنشاد والغناء، فهو ثري بقيمه الموسيقية المتعددة، وإذا تتبعنا شعره فسنجد أن هذه الطريقة المبدعة التي أُسمِيها السهل الممتنع سائدة في شعره فلا استكراه للفظ ولا حشر لقافية دون سبب، ومع ذلك موسيقى عالية تتردد داخل النص من كل اتجاه وإليكم هذا النموذج
القلب تعبان م الغياب
احضري للكون سنابل
ادخلي من أي باب
القلب قابل
لسه فاضل بين طلول الروح مَودّه
بس بيني وبين وجودك ..
ألف مُدّ وألف مُدّه
وارتعاشة خوف ووحشه
وانسحاب للأمنيات
واعترافاتي بهزيمتي
آخر الصيف اللي فات
رابعا : المضمون والقضايا
تنوعت القضايا التي تناولها مصطفى مقلد في شعره، ولكن اللافت أنه تناول القضايا الوطنية دون هتاف ولا صوت عال وبنظرة عامة تتجاوز حدود اللحظة لتتعلق بجدلية العلاقة بين المثقف والسلطة ودور هذا المثقف المهمش
وياخدك جند ذي الاوتاد
عشان مشهد ما مثلتوش قصاد عينها
وكنت بتبدأه بالكاد
لمشهد كل يوم يتعاد
قصاد باب القضا العالي
وفي الميادين
يحطوا ادينك الساكتين
ورا ضهرك
ونضارتك ف لحظة تضيع
يجلجل صوت من المجاميع
وقبل ما ينتهي يتعاد
حضورك مش مهم الليلة للمسرح
رجوعك مش مهم الليلة للأولاد
ورغم أنه أحس بعد ثورة 25 يناير أن له حقا في هذا الوطن وأن الأماني باتت ممكنة إلا أنه ببصيرة الشاعر كان يدرك حجم ما يدبر لهذه الثورة من مكائد لاختطافها من قبل هذا الطرف أو ذاك
أنا شفتك...
خلاص بانت تقاطيعك
وعارف كل من شخبط على اسمك
وكل اللي جلد جسمك
وعارف برده مين فكر
ومين دبر
ومين عكر ينابيعك
أنا شفت اللي بيبيعك ف نص الليل
وشفت النيل بيتشاهد على نخله
بيتصعب على اللبلاب
وشفتك داخله للسرداب مع نخاس
ندهت عليكي يا سمره باقيلك ناس
باقيلك فاس على كتاف الفواعليه
إيدين سمرا بتزرع عيش وحريه
باقيلك دم في عروق اللي عاشقينك
ولادك. انتي عارفاهم وعارفينك
ولاد عاشقين
بندهه يحجوا للميادين يلبوكي
يشدوكي من السرداب
يردوكي من الكداب وأعوانه
طيور الضلمه والخفافيش
باقيلك جيش بلون الشعب
باقيلك شعب لون الجيش
وما زال شاعرنا حارسا يقظا للثورة التي أعادت له الأمل يخشى عليها من خفافيش الظلام ويسعى لحمايتها وتصحيح مسارها لتحقق لمصر أحلامها
مترين وطن
وكيلو ونص حريه
ونسمة نيل
ونص دليل على القاتل
وكيس فاضي
وكيس مليان من الباطل
وشمس بتوعدك جايه
أكيد جايه .وبتماطل
مسلسل سارق الأحلام
على الأولى
وثوره برجل مشلوله
بتتعكز على عاجزين
ودين حسب اتجاه الريح
ونور حابسينه في الزنازين
ولكن الاتجاه الأهم والأبقى في شعر مصطفى مقلد هو الاتجاه الوجداني أو الشعر الذاتي الذي يعبر عن أحاسيسه ومشاعره وعن معاناته مع الأحلام المستحيلة هنا يبلغ مصطفى ذروة الإبداع ليقدم لنا دررا ثمينة وقصائد إنسانية من طراز رفيع
يا عيونك الواقفين على القلعه
دي خطوتي المقتوله ف المشوار
فات كام نهار والشمس مش طالعه
من كام نهار ما طلعش أي نهار
ولكن الأمل ينتصر دائما رغم سحابات الإحباط التي تحيط بنا من كل اتجاه
من كِوه ف حيط
ممكن
تدخل شمس كبيره
من بذرة حلم بسيط جدا
ممكن تتحول الصحرا للغيط
من دقه صبح على الابواب
ممكن نتحول من اغراب
الى اهل البيت
وما زلنا نحلم مع شاعرنا الكبير ربما يوما تنفتح كوة في الجدار يدخل منها النور ليملأ حياتنا أنسا وبهجة.

إرسال تعليق