100003031141317 100041509989142 أثره الغائب.. قصة قصيرة للقاص محمد مندور
U3F1ZWV6ZTM1MDAwNzUxMzM4ODg5X0ZyZWUyMjA4MTUwMDQ4OTY2NA==

أثره الغائب.. قصة قصيرة للقاص محمد مندور

 


أثره الغائب.. قصة قصيرة للقاص محمد مندور


ظننت أن المسألة لن تستغرق إلا أياما وتمر كما مرت شدائد قبلها، لم أحتمل، تمسكت بالأثر؛ الأمل الوحيد المتبقي منه، جعلته دليل حبي وإثبات بر يريحه في مضجعه الأبدي،  تنفصل روحي عن جسدي فأبوح إليه بأن يديه الكبيرة تحتوي رقة كفي، وصباحي دون قبلته سبة تجعل يومي الأسوأ على الإطلاق.
في لحظة الملل أطلقت عليه رصاصة الوداع، عاقبت نفسي برميه، وشردته الأيام، ليال لمت فيها نفسي التي تجرأت على طرده. 
كأنني المفقود في التيه، حتى سامحتني الأرض وأشفقت علي، فطافت به حتى عاد. 
هز ذيله في رقة، مسحت شعره الكثيف، عاودت الجلوس أمامه في ذهول، يسحبني الوقت وتنخلع روحي من جديد فأمسك  بيديه، أقبلهما، أنأى بنفسي عن التأثر وأعيش اللحظة باسترجاع الماضي، أضع الماء والحليب أولا ثم بلطف أطعمه من طعامي، أحدثه حديث المحب، فتختلط المشاعر و تنقلني عباراتي إلى الشغف القديم وحكاياته الرفيقة التي حفظتها عن ظهر قلب، يسمعني بتأن، أعرف ذلك من ارتفاع أذنيه، لا يعلق لانشغاله باللغو في أوان يحتسي ما فيها ويلتهم بشراسة ما يطاله، عندما ينتهي يبتعد أنتظر منه أي علامة تطمئنني أنه يشعر بي أو أن حديثي له رواجه داخل صدره، يصمت وعلى إثره تنقطع ثرثرتي ويلفنا سكون مقيت.
الحادث لم يكن مفزعا أبدا، كدمات بسيطة تنبئ أنه مع الوقت سيقوم، أطبب جراحه. 
_وقوعك في الوحل لتزداد الرابطة بك، فنفتش عن الساعات الضائعة لنملأها بحكاويك عن رجولتك وقت الصعاب، وحروبك ضد الزمن ليظل قلبك عصيا على الضمور. 
رأسه المائل ينتصب في مواجهتي بالرضا، ثم يهم بالوقوف عند أول شعاع من الشمس، يغتاله الألم، ويرقد بين اليأس والأمل، يحصي سنوات القوة وحصاد الشقاء في نفس يدخل بصعوبة، ويخرج بحسرة. 
_ياولدي ما هذا أنا، أصبحت جثة دعوت عليها ألا تتثاقل، لست عاجزا من الرحمة، ولكنها الخفة التي أرغبها. 
يخطف نظري أثر فوق رأسه يبكيه معي، فأشيح في وجهه الحزين في ضيق . يغضب أبي و يتنهد.
_كي تهدأ، استحضرني داخله، تذكر أيامنا به، ثم صمت طويلا. 
لكأنه يقرأ الغيب، آنست وجوده به أمامي ونسيت وجعي أعواما، اتخذته بمشاعري ذكريات تحكي لي في حضور مستنسخ. أقبض على الأحزان عند رؤية عيني الأثر الذي أَحبَّه. أقص  له كل ليلة عن مهالك الطريق المتعبة، عن وجع الحياة بعد تلاشي نور رؤيته في صباحي، أسير بصحبته، أكرر عليه حكايات أبي المحفوظة كلها، أنتظر انفعالاته، رده علي، بأن ينطق بلسان أبي، أن ويصبرني على بؤس يحتويني ولا أحتويه، أفقت على صدمة الوهم، أن خرسه لن يُهَدِّئ إحساسي المتنامي ورغبتي في حضن أقيم عليه نعيم وجود أبي المستعصي الآن، ضربته بهراوتي لأنقذ نفسي من تمادٍ أمرضني، بسط أرجله الأربع، هز الأثر ذيله للمرة الأخيرة، وارتخت أذنيه فلم يعد يسمعني.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة